
فكيف نفهم نفسية من يعتقد أنه يقاتل الناس لحملهم على الإلتزام بأحكام الدين؟ وكيف نقرأ ما يجول بدخيلة عقل من أفتى لنفسه أو أفتاه بعض من يثق فيهم من زمرته بأن "إرهاب" المجتمع طريق لفرض شريعة الله عليه وجبْر الناس على العودة إلى حقيقة هذا الدين العظيم؟
إن من يقرأ كتاب الله تعالى قراءة معمقة يلحظ ملحظين بارزين في جميع ما نزل من آيات القرآن وسوره، من بداية "إقرأ بسم ربك" العلق:01 إلى نهاية "اليوم أكملت لكم دينكم" المائدة:03.
فالإسلام دعوة إلى الحياة وليس تدميرا لها وتفجيرا لروحها وتشويها لصورتها وقتلا للأمل فيها، فما جاء القتل ممدوحا إلاّ من أجل تحرير الإنسان من الطغيان المصادر لحريته وكرامته، ورفع الحواجز المادية والمعنوية عنه، وضمان الأمن والإستقرار لتنتشر دعوة الله بالحسنَى، ولتصل إلى الناس سليمة مبصرة بالحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة المجادلين بالتي هي أحسن، أما في غير هذا السبيل، فقد اقترنت ألفاظ القتل بالإنكار والتشنيع والتحذير من عاقبة المتهاونين في الدماء الآدمية، ولو كان الأمر متعلقا بمولود حديث العلاقة بهذه الحياة الدنيا : "وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ" التكوير:08/09، وقد استنكر موسى(ع) على الخضر (رضي الله عنه) قتله لغلام : "قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا!" الكهف:74، وهل من خاف الفقر يقتل؟ فالخوف من حدوث الفقر لا يدفع الإنسان إلى القتل ولا الفقر الحادث يبرر ذلك :"وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ" الأنعام:151، ومثلها: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ" الإسراء:31، فكيف يقتل الإنسان أخاه؟ وما فعْله هذا بأخيه إلاّ قتْل لنفسه ورحمة نزعها الله من قلبه، والله بالناس رؤوف رحيم: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" النساء:29، ويكفي أن أول من سن القتل من ابني آدم (ع) ندم على ما صنع وأصبح -بعد ارتكابه جريمة القتل- من الخاسرين : "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ" المائدة: 30، وكل قتيل يقع على وجه الأرض يتحمل جزءا من دمه لأنه سنّ هذه السنة المدمرة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وإذا لم يكن القلب مشحونا بالإحقاد ومثخنا بالإحن، فإنه يجد في النزوع إلى القتل حرجا كبيرا لاستبشاع صورته في النفس السوية، وهو ما استثناه ربنا (جل جلاله) لعلمه بما في صدور من حصرت صدورهم فقبضوا أيديهم عن مقاتلة قومهم، فما سلطهم الله عليهم : "إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً " النساء:90.
فالإسلام دين سلام، وكل من ألقى السَّلم صار معصوم الدم والمال " فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً" النساء:90، وهي نظرة إيمانية دعوية تبحث عن غافلين لتنبههم وعن ضالين لتهديهم وعن حيارى لتأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم، فإن أعملت في رقابهم السيف فقد أهدرت نعمة كبرى جعلها الله "مادة" للدعوة وموضاعا للبلاغ وابتلاءا ليظهر أي الفريقين أحسن عملا، وكلها حقائق قرآنية دامغة تسندها سيرة المصطفى (ص) وتعضدها واضحات أحاديثة الشريفة الداعية إلى حقن دماء كل من نطق بالشهادتين، لتؤمّن طريق الدعوة أمام بصره وبصيرته ليعرف الناس الحق في أجواء صحية حرة..وليس تحت نقع المعارك ورهج الإقتتال، فما أذن (ص) لأصحابه (عليهم الرضوان) بالإجهاز على موحّد ولا بإعمال السيف في أعناق من نطقوا بالشهادة، وقد أغلظ القول لمن فعل ذلك إجتهادا منه ظنا أن من لجأ إلى التلفظ بالشهادتين في أرض المعركة إنما فعل ذلك خوفا من القتل، كما ذهب إلى هذا المنزع أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) في حادثة شهيرة دونتها كتب الحديث والتاريخ والمغاري والسيّر، وتحدث بها أسامة نفسه، قال : بعثنا رسول الله(ص) إلى الحُرقة (وهي بطن من قبيلة جهينة) من جُهيْنة، فصبّحْنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار، رجلا منهم –يقصد كان فارا من المعركة- فلما غشيناه (أي أدركناه) قال : "لا إآـه إلاّ الله" فكفّ عنه الأنصاري (أي لم يُجهز عليه) وطعنته برمحي حتى قتلته !! فلما قدمنا المدينة، بلغ ذلك النبي (ص) فقال لي : يا أسامة أقتلته بعد ما قال : "لا إآـه إلاّ الله؟!" قلت : يا رسول الله، إنما كان متعوذا (أي طالبا النجاة بالنطق بالشهادتين) فقال : " أقتلته بعد ما قال : لا إآـه إلاّ الله؟!" فمازال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. متفق عليه، وفي رواية : قال رسول الله(ص) : "أقال : لا إآـه إلاّ الله..وقتلته!؟" قلت : ياسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح!! قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا!؟" فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يؤمئذ.
ولكي ندرك خطورة هذا المسلك الذي يعتقد بعض المسلمين أن الإجتهاد فيه ممكن، نستأنس ببعض ما أرشد إليه المصطفى(ص) في هذا الإتجاه زيادة في الإيضاح وتعميقا للفهم وتوكيدًا لليقين ورفعا لكل لبْس قد يشكّل غبشا على بعض القلوب فيحرم كثيرا من أبناء هذه الأمة من التعرف على حقيقة ما تقترفه أيدي بعض المتأولين في مسألة دماء المسلمين، ولو كان حظهم من الإسلام النطق بالشهادتين فحسب، فالترويج للقتل والترويع والإرهاب..باسم الجهاد في سبيل الله في ديار المسلمين لوثة فكرية أصابت كثيرا من المنتسبين إلى الحركات المتطرفة والجماعات المسلحة في شأن عظيم من شؤون هذا الدين العظيم، فطالت أيديهم دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق وتوسع عدوانهم ليمسّ "ضيوف" هذه الأمة من رعايا أجانب لا ذنب لهم إلاّ أن الله جعل رزقهم في هذه الديار كما جعل رزق كثير من المسلمين في ديارهم، بعد أن صار العالم مفتوحا وصارت البشرية كلها أسرة واحدة يسمونها "الأسرة الدولية". فهم ضيوف عندنا مكرمون كما أننا نحن ضيوف عندهم مكرمون..
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أشيم (رضي الله عنه) قال : سمعت رسول الله(ص) يقول : "من قال لا إآـه إلاّ الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حُرم ماله ودمه، وحسابه على الله" رواه مسلم، وهو ما يُفهم منه أن النطق بالشهادتين عصمة لصاحبهما من القتل تحت أية ذريعة، وقد عبّر عن هذا المعنى أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) عندما عاتبه رسول الله(ص) عن قتله رجلا نطق بالشهادتين، فقال متحججا ومعتذرا : "يا رسول الله إنما كان متعوّذا" أي قالها ليعصم رقبته من القطع بغير اعتقاد منه بحقيقتهما!! فرد رسول الله(ص) على هذا الإجتهاد بالقول : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة!؟" وقد روى الشيخان عن المقداد بن الأسود (رضي الله عنه) قال : قلت لرسول الله(ص) : أرأيت إذا لقيت رجلا من الكفار (ملحدًا أو مشركًا أو وثنيا..) فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذَ مني بشجرة، فقال : أسلمت لله!! أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال (ص) : "لا تقتله" فقلت : يا رسول الله، قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها!؟ قال : "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" متفق عليه، وهو إرشاد واضح فيه تهديد صارم لمن أقدم على قتل من نطق بالشهادتين حتى لو كان الداعي الخوف من الموت، لأن النيّات موكول أمرها إلى الله، ومن تلفظ لسانه بكلمة التوحيد عصمتْ ماله ودمه وأمره إلى الله، فحكم العبد على الظاهر أما السرائر فلا يعلم مكنونها إلاّ الله، وهذا ما فقهه عمر الفاروق عندما تولى الخلافة فقال للناس جميعا : "إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله(ص) وإن الوحي انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالهم، فمن أظهر لنا خيرا أمّناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة" رواه البخاري عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، بقوله : سمعت عمر بن الخطاب يقول..وساق قوله.
إن الواضح البيّن من هذه الروايات الموثوقة الصحة، هو أن هذا الدين لا يفتش عن خفايا الصدور، ولا ينقّب عما في سويداء القلوب ولا يؤاخذ الناس بما في سرائرهم ولا يصدر أحكام التكفير والتفسيق على أي فرد من أمة الشهادة ما لم يظهر منه ما يثبت خروجه عن الجادة وكفره بالدين، لأن الذي يحاسب الناس على ما يعتقدون هو خالقهم الذي يعلم نواياهم وسرّهم ونجواهم، فإذا قالوا: "آمنا"، رد عليهم هذا الزعم بما يعلمه من حقيقة استسلامهم الظاهر بغير قناعة باطنية، وهو وحده سبحانه القادر على هذه المكاشفة لقوله (جل جلاله) : "قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ" الحجرات :14. فهذه لله وحده أما أبناء آدم أجمعين فلهم حكم الظاهر، على ما تسمعه الآذنان وتراه العينان، وتأمل في هذا الحوار المفقّه للأمة –في شأن التكفير واستباحة الدماء –بسدّ جميع منافذ الإجتهاد في تأويل معنى النطق بالشهادتين العاصمتين لصاحبهما من القتل واستباحة الأموال والأعراض، فعن جندب بن عبد الله (رضي الله عنه) أن رسول الله(ص) بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين، قصد له فقتله، وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته، وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) فلما رفع عليه السيف قال : "لا إآـه إلاّ الله" فقتلته!! فجاء البشير إلى رسول الله(ص) فسأله..وأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال : "لمَ قتلته"؟! فقال : يا رسول الله، أوجع في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا –وسمى له نفرا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال : لا إآـه إلاّ الله، قال رسول الله(ص) : "أقتلته"؟! قال : نعم، قال : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة!؟" قال: يا رسول الله استغفرلي، قال : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة!؟" فجعل لا يزيد على أن يقول : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة" رواه مسلم.
هل هناك اجتهاد لأحد بعد هذا النص؟ وهل يوجد فوق وجه الأرض اليوم من هو أحبّ إلى رسول الله(ص) من حبّه أسامة بن زيد (رضي الله عنهما)؟ وهل يمكن أن يوجد مشرك يقصد قتل المسلمين فإذا وقع بين أيديهم نطق بالشهادتين فسمعوها منه –والله أعلم بما في قلبه- ثم ينبعث أشقى القوم ليخترطه بسيفه فيقضي عليه، ثم يقول متأولا لفعلته : إنما قالها خوفا من بريق السيف أو نطق بها لما أيقن أنه هالك!؟! فهل بعد هذا البيان من اجتهاد أو تأويل؟ وهل غيرة أحدنا، في آخر الزمان، على هذا الدين أشد من غيرة محمد(ص) على ما جاء به رحمة للعالمين.
ابحث
التعليقات
نحن محتاجون فعلا لمثل هذه
نحن محتاجون فعلا لمثل هذه القراءة ......جهودكم مباركة
جازكم الله خيرا .. من أجمل ما
جازكم الله خيرا .. من أجمل ما قرأت
أضف تعليقاً