ماوراء التعمير والتدمير من علل
ملخص الورقة
أبو يعرب المرزوقي
لئلا يكون هدف الوسطية تبرير الحرب على مميزات الدين الإسلامي وحضارته لا بد من الانطلاق من الفرض التالي :
سأفترض أننا نبحث في إشكالية فلسفية تهم الوجود الإنساني غير التابع ونطلب استراتيجية سياسية لبناء أنفسنا ولسنا نطلب حيلا لتنفيذ خطة تريد منا أن نرى أنفسها كما يراد لها أن تكون وليس كما تريد هي أن تكون. والقضية تتعلق بمقومات وجود أمة تريد استئناف دورها في التاريخ. وهذه المقومات هي :
الإرادة شرط السياسي الحر.
والعقل شرط الفكر المبدع.
والقدرة شرط الحماية والرعاية.
والحياة شرط معاني الوجود.
والوجود شرط القيام غير التابع.
فمن دون هذه المقومات النابعة من مصدري الكيان أعني المرجعية الروحية والتاريخ لا تكون الأمة سوية. وعلامة سلامة الكيان هو ذاتية التشريع فلا تخضع الأمة لتشريع غيرها الذي يفرض عليها رؤيته للعالم والوجود.
ذلك أن المشكل هو كيف يمكن التعامل مع أحياز وجودها تعاملا يحقق منظومة قيم هي جوهر خياراتها الوجودية تعاملا يجعلها موجودة في الأعيان وفي الأذهان.
فأول الأحياز هو المكان وبيئتها الجغرافية الطبيعية التي تكون تحت سلطانها مطلق الحرية وليس خاضعا لإرادة أجنبية.
وثاني الأحياز هو ما يستمد من البيئة الطبيعية من مقومات للتنمية المادية التي هي ثمرة المكان : لثروة وشروط القيام المادي للجماعة.
وثالث الأحياز هو الزمان وبيئتها التاريخية الحضارية التي تكون مفهومة بفكرها المستقل بإطلاق وليس خاضعا لتصورات أجنبية.
ورابع الأحياز ما يستمد من البيئة التاريخية من مقومات التنمية الروحية أي ثمرة الزمان التي هي التراث وشروط القيام الروحي للجماعة.
وآخر الأحياز هو اصل سلطان الجماعة على أحيازها وذاتها وكيف تكون علاقة هذه الأحياز الأربعة به أي بمرجعية الجماعة الوجودية. فتلك هي حصانتها الروحية وعين ما تتحدد به هويتها وقيامها المشرع لذاته بوصفها جماعة أحرار وذات سيادة.
في هذا الإطار كيف نفهم المقابلة بين الاعمار والدمار أو الصراع بين حدي كل تغيير يخص مقومات وجود الأمة (الإرادة والعقل والقدرة والحياة والوجود) وأحيازه (البيئة الطبيعة وثمرتها والبيئة الحضارية وثمرتها وأصلها جميعا أو المرجعية المحصنة للأمة).
وللعلاج مستويان : مفهوم ويتعلق بجدلية التغيير وما فيه من تعمير وتدمير. والثاني تاريخي انثروبولوجي يبين أن جل دعاوى التعمير في العصر الحديث هي في الحقيقة تدمير للبيئتين الطبيعية والحضارية للإنسانية من أجل قيم تدعي تحرير الإنسان لكنها في الغاية آلت إلى القضاء على شروط بقائه بجعله خاضعا لقانون التاريخ الطبيعي (قانون القوة) بدلا من التاريخ الخلقي (قوة القانون).
والحصيلة هي ألا يكون كلامنا على التعمير والتدمير تأييدا لما يراد فرضه من نموذج استعماري يدعي تحريرنا وهو في الحقيقة يسعى لنزع كل اسحلتنا للحفاظ على ذواتنا وتقديم أفق آخر للإنسانية قد نكون فيه نحن المحررين لها من عبودية العولمة التي تعبد العجل الذهبي.
ابحث
أضف تعليقاً