wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الإسلام دين المؤمنين
السبت, November 13, 2010 - 07:15

    قد يحلو لبعض الكتاب والباحثين الحديث عن قضايا ومفاهيم حديثة، بوصفها حالة كانت موجودة ومعروفة في الماضي والحاضر، وذلك تجاوزا للمنهج التاريخي في قراءة الأفكار وتطورها، والمصطلحات وتبدل معانيها على مر العصور، بل إن كثيرا من القضايا تحولت إلى مسلّمات، ودخلت في صلب القضايا الدينية، وصار يحكم على الناس من خلالها، وتحولت إلى خطر يصل أحيانا إلى حد سفك الدماء والاعتداء على حرمات الناس ومقدساتهم واستباحتها.
    ومن أهم القضايا التي خلقت إرباكا في الفكر الإسلامي وضيقت من نظرته وحدت من رؤيته ما يسمى بمصطلح "العقيدة"، حيث نجد اليوم من يحكم على الناس بمقياس العقيدة، وكأن لديه مسطرة يقيس بها طولها وعرضها، ثم يحكم على الإنسان ويصنفه في دائرة الكفر والإيمان، بناء على تصورات نظرية مفتعلة لما يسمى معتقد الإنسان وعقيدته.
    لقد جاء في بعض الكتب أن العقيدة في الاصطلاح تعني: "الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقيناً ثابتاً لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، ويجب أن يكون مطابقاً للواقع، لا يقبل شكاً ولا ظنا؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة. وسمي عقيدة؛ لأن الإنسان يعقد عليه قلبه"، وهذا الربط بين مفهوم الإيمان ومصطلح العقيدة هو ربط غير مقنع ولا دقيق؛ لأن معنى الإيمان مختلف حتى من الناحية اللغوية، ولم نجد في معاجم اللغة المعتمدة من يربط بين المعنيين، بل إننا لا نجد لفظ "عقيدة" في هذه المعاجم، لكننا نجد الجذر "عقد" ومشتقاته، وهو بمعنى الربط، فقال ابن منظور: "العَقْد: نقيض الحَلِّ؛ عَقَدَه يَعْقِدُه عَقْداً وتَعْقاداً وعَقَّده؛ أَنشد ثعلب: لا يَمْنَعَنَّكَ، مِنْ بِغاءِ الخَيْرِ، تَعْقادُ التمائمْ، واعتَقَدَه كعَقَدَه؛ قال جرير: أَسِيلَةُ معْقِدِ السِّمْطَيْنِ منها، وَرَيَّا حيثُ تَعْتَقِدُ الحِقابا، وقد انعَقَد وتعَقَّدَ، ويقال: عقدت الحبل، فهو معقود، وكذلك العهد؛ ومنه عُقْدَةُ النكاح؛ وانعقَدَ عَقْدُ الحبل انعقاداً"، وقال الفيروزأبادي: "عَقَدَ الحَبْلَ والبَيْعَ والعَهْدَ يَعْقِدُهُ: شدَّهُ،والعَقْدُ: الضَّمانُ، والعَهْدُ، والجَمَلُ المُوَثَّقُ الظَّهْرِ، وبالتحريكِ: قَبيلَةٌ من بَجِيلَةَ أو اليَمنِ، منها: بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، وأبو عامِرٍ عبدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍو".
   كما أن كلمة "العقيدة" لم ترد في القرآن ولا السنة النبوية بالمعنى الشائع في العصور المتأخرة. وجذر الكلمة في القرآن الكريم (عقد) وردت بالمعنى اللغوي الذي أوردته المعاجم، وذلك في سبع آيات كريمة: في قوله تعالى: "والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم" و"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" و"ولا تعزموا عقدة النكاح" و"واحلل عقدة من لساني" و"ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان" و"ومن شر النفاثات في العقد".
   فأصل كلمة (عقد) ومشتقاتها لم ترد في القرآن الكريم بمعنى الإيمان، وإنما للدلالة على أشياء أخرى كما ذكرت الآيات السابقة، بل إنها لم ترد لفظا ولا معنى في أي آية من آيات القرآن الكريم. كما أن الباحثين يشيرون إلى أن هذه اللفظة لم ترد في الأحاديث النبوية، لا في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع، وإنما ورد الفعل (عقد) في أمور أخرى لا علاقة لها بالإيمان أيضا، وكذلك لم ترد هذه اللفظة على لسان أحد من التابعين لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع. ومن هنا نستطيع أن نقول إن مصطلح "العقيدة" مصطلح جديد ظهر في مراحل متأخرة، أي أنها لم ترد بهذا اللفظ للمعنى الذي وضع له في الأزمنة المتأخرة، فصرنا نسمع من يقول: فلان حسن المعتقد، فلان كان صلباً في العقيدة، كان ضالاً في العقيدة، كان سيئ المعتقد، وفلان عقيدته فاسدة، وما إلى ذلك من الأوصاف.
   وفي هذا الصدد، يقول أحمد شهاب الدين: "والعقيدة -عندنا- أهم شيء في حياة المسلم، فهل يعقل أن يخلو القرآن الكريم الذي أنزله الله (تبياناً لكل شيء) من (أخطر وأهم) شيء في حياة المسلم؟! أم أننا هجرنا مسمى ذلك (الأهم والأخطر)، ألا وهو الإيمان أو الإسلام في عمومه إلى هذه المصطلحات المستحدثة؟".
   وفي اعتقادي، فإن كلمة العقيدة لا تعني مفهوم الإيمان، بل لها موجبات وجودها التاريخية، لأن الإيمان مصطلح إنساني يخص عموم الناس دون تفريق أو تضييق، وهو مفهوم وجودي يمكن الوصول إليه من خلال العمل الصالح والدعوة إلى الخير والإيمان بالله رباً، بكل ما تعنيه الربوبية من تطبيقات عملية مؤثرة في حياة الإنسان والمجتمع، لكن العقيدة فهي مصطلح ظهر متأخرا، وكان نتاج أدوات السلطة السياسية، حين أرادت أن تصنف الناس بين موالٍ ومعارض، وبين عاصٍ وطائع، فصارت هناك شروط وأوصاف ومعايير للدخول في العقيدة أو الخروج منها، وكأن هذه العقيدة حمى محدد وله سياج، والدليل على ذلك أننا نسمع من ينادي المسلمين اليوم، ويقول لهم: "يا حراس العقيدة!"، فهل العقيدة مزرعة يمكن حراستها، والوقوف على بابها؟.
    إن هذا الفهم للإيمان وتحويله إلى عقيدة ضيقة قد جعل من الإسلام دينا يضيق بأصحابه، ويجعلهم فرقا متناحرين، فضلا عن ضيقه بالآخر واعتباره كافرا يمكن استباحة دمه، بل الأدهى من ذلك أن الإسلام لم يعد قادرا على أن يكون دينا عالميا للناس كافة، كما أراده الله سبحانه وتعالى حين جعله خاتم الديانات والرسالات، وجعله دين المؤمنين على اختلاف منابعهم ومشاربهم وأفكارهم، ولا يمكن أن تكون فكرة العقيدة التي ينادي بها بعض المسلمين بحسب فهمهم لها هي الإيمان المنفتح على القيم الإنسانية العظمى، كما أرادها خالق الكون حين قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".

منقول عن الغد بتاريخ
13/11/2010

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.