بسم الله الرحمن الرحيم
مختارات من ورقة د.محمد حبش لمؤتمر (بين نهج الدمار والإعمار)
جرت العادة أن نتحدث عن النبي الكريم في غمار رسالته العظيمة في نشر التوحيد ومواجهة الجاهلية والخرافة والشرك، وهي في الواقع أقدس ما ناضل لأجله، ولكن في غمار ذلك يغيب جانب كبير من رسالته صلى الله عليه وسلم في بناء الحياة، وإطلاق المشروع الحضاري.
لم ينظر الإسلام إلى الدنيا على أنها ملعونة، ملعون ما فيها، بل نظر إليها على أنها نعمة الله للإنسان، وأنها امتحانه وقدره، ونعمت الدنيا مطية المؤمن، ونعم المال الصالح للرجل الصالح، ولأجل ذلك فقد كان إعمارها والإحسان إليها قصداً مباشرا لرسالة النبي الكريم.
وفي الحديث ما من مسلم يغرس غرساً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كتب له به أجر.
وقال: سبع يجري للعبد أجرهن بعد موته: من علم علماً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو حفر بئراً أو كرى نهراً أو غرس نخلاً أو ترك ولداً صالحاً يدعو له.
كان رسول الله نصيراً للحياة والربيع، ولم يكن يرضى لأمته الرهبنة والعزلة، وقال لا رهبانية في الإٍسلام، وكان يحب العرق الأخضر، ولم يكن لينسى أن رسالته في بناء الآخرة لا يجوز أن تشغله عن بناء الحياة، وبتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا.
حين اختار دعاءه الخالد بين الركن والمقام، وركزه في كل صلاة يصليها مسلم من أول الدهر إلى منتهاه، كان بالفعل يريد للدنيا أن تكون أكثر جمالاً، وللناس أكثر رفاهاً، وهو معنى لن يفارقك في كل صلاة وأنت تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
إنه لا يشبه في شيء مدارس الخمول التي قامت في العالم الإسلامي لرهبان بائسين على رؤوسهم عمائم، تمجد الخمول وتنتقد العمل، تحرم التداوي وتهزأ بالطبيب، وتحرم الفرح وتمجد البكاء، تسعى إلى التبتل وتحرم السعادة، تدعو إلى صيام لا فطر فيه وقيام لا نوم فيه!! وقد رد رسول الله غاضباً على هذاالسلوك السلبي بقوله: ما بال أقوام يحرمون ما أحل الله ، يقول أحدهم أصوم ولا أفطر ويقول الآخر أقوم ولا أنام ويقول الثالث لا آكل اللحم ويقول الرابع لا أتزوج النساء!! إن أخشاكم وأتقاكم لله أنا!! ولكنني أصوم وأفطر وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني!!
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون، قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
إنها محاولة للاقتراب أكثر من رسالة الإسلام في بناء الحياة وتحقيق السعادة للناس.
ابحث
أضف تعليقاً