c
مقال:
النخب في المجتمع العربي: الأزمة،والوعي،وصناعة التغيير
د. محمد عبد الله المحجري
26/6/2016
إشكالية النخب العربية:
تعاني النخب الفكرية والطلائعية والقيادات الوسيطة في الوطن العربي، شأنها شأن شعوبها، من إشكالات متعددة على مستوى الرؤية وفي إطار فاعلية الحياة والعمل.
شكلت التقاطعات المتعددة للتيارات الفكرية الوافدة من جهة، وإشكالات الفكر العربي والإسلامي القائمة من جهة ثانية، وتراجع الأمل في إحداث التغيير الكافي في البنية الذهنية للإنسان العربي وواقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي من جهة ثالثة عوامل أكثر حسمًا في إشكالية تلك النخب.
تتمثل الإشكالية على مستوى الرؤيةفي التقاطع الواضح لدى تلك النخب بين الثنائيات المتعددة وفقدان اتزان المواءمة بينها: الماضي والحاضر، التراث والحداثة، الأصالة والمعاصرة، القيم الموروثة والقيم الوافدة، الديني والدنيوي، الالتزام والتحرر...إلخ. لم تستطع النخب العربية الوصول إلى اتزان يوائم بين ما يمكن الإبقاء عليه من أصول (مع التخلي الجريء عن كل ما يشكل عبئًا في إطار الماضي) وما يجب تبنيه والتماهي في التفاعل معه مما أنتجهالفكر الإنساني ولا سيما في العصر الحديث (مع الاحتراز مما يتصادم وقيم المجتمع الكلية العليا التي يتوافق عليها مجموع أفراده أو غالبيتهم).
شكَّل عدم قدرة النخبة على العزف المنظم لثنائيات الحركة والسكون وإيقاعهما المتجانس ماضيًا وحاضرًا ضمن سيمفونية العالم إشكالاً بنيويًّا في العمق من نفسية تلك النخب، انعكس شرخه الشاقولي على الجهاز المفاهيمي الذهني المشكل للرؤية العامة لديها؛ وهو ما أدى إلى استقطاب حادٍّ في إطار الثنائية الزمنية: تحيزًا صارخًا للماضي على علاته بدعوى الأصولية والحذر من الذوبان في الآخر، أو ارتهانًا للحديث في قطيعة جذرية مع الماضي. مثّلت النخب الدينية وحركاتها المنظمة وتلك المنضوية في التشكيلات والأطر الدينية الخاصة انحيازًا واضحًا نحو الماضي، بينما اتضح انحياز كثير من المستقلين والمثقفين والأكاديميين وأولئك الذين انضووا تحت الأطر القومية أو الذين تأثروا بالمد اليساري أو اللبرالي لاحقًا نحو القطيعة مع الماضي جزئيًّا أو كليًّا، والثورة على إشكالاته المتعددة.
وتتمثل الإشكالية على مستوى فاعلية العملفي الانعكاس السلبي لما تولد عن إشكالية الرؤية، المتمثل بالنظرة الاتهامية والتخوين وحديَّة الاستقطاب والتخندق في كلا الجانبين على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين كله تقريبًا؛ فلا الذين تحيزوا باتجاه الماضي من الإسلاميين ونخبهم استطاعوا أن يهضموا حركة الحداثة (ومن قَبْلِها منتج حركة التحديث العربية)، ويستفيدوا مما أنتجه الفكر الإنساني وما وصلت إليه المعرفة الإنسانية، ويتجاوزوا سلفيتهم في التعاطي وفي التفكير، منفتحين على الواقع الجديد بكل معطياته العلمية والمعرفية، ولا الذين تحيزوا باتجاه الحاضر من الحداثيين ونخبهم استطاعوا أن يتفهموا أن حركة التحديث لا تأتي من خلال القطيعة التامة مع الجذور والتنكر لكل شيء في الماضي لمجرد أنه مرتبط بحركة زمن تولت وانقضت، وأن كل بيئة حضارية بحاجة إلى أنموذجها الخاص الموائم لخصائصها وحاجاتها، متناسين أن الأنموذج الغربي صور متعددة وليس قالبًا واحدًا، فالديمقراطية على سبيل المثال ألوان من الديمقراطيات: الجزئية والكاملة، الملكية والجمهورية، الرئاسية والبرلمانية، والعلمانية متتالية من العلمانيات، بدأت ملتزمة بالقيمة الإنسانية وداعية إلى دولة محايدة تقف على مسافة واحدة من كل الطوائف والإثنيات، ووصلت في بعض جوانبها، مع الأسف، إلى اللاقيمة مطلقًا.
وانتقلت المشكلة إلى الألفية الجديدة في أشكال جديدة، وما زال الاستقطاب حادًّا، والتمترس الفكريُّ قائمًا، وإن اتخذ صورًا جديدة بفعل تعاظم أدوار الأصولية والاستقطاب الطائفي الحاد، الذي تبدى مع المشروع الإيراني وطموحه المتزايد في المنطقة وتدخلات الاستكبار العالمي، ولا سيما بعد إجهاض ثورات الربيع العربي في حركته الأولى من قبل كل الأنظمة الفاعلة في المنطقة تقريبًا.ساعد على ذلك اتساع في أمية الوعي، وتسطيح في المفاهيم، وتكريس للاستبداد من قبل الأنظمة المتحكمة، وفقر اقتصادي مدقع، ومشكلات اجتماعية متزايدة.
الإشكالية لدى النخب في الاتجاه الإسلامي وعمقها التاريخي:
مثلت الهجرة إلى أدغال التاريخ للبحث عن حلول جاهزة لكل مشكلة يقع فيها المسلمون (بالنص أو بالقياس) إحدى أهم إشكالات المسلمين والنخب الإسلامية، وهو ما أفقد المسلمين التفكير الابتكاري والناقد معًا: الابتكاري بالنظر في المستقبل بعين التأمل والاكتشاف بعيدًا عن النمطية، والناقد بالنظر في الموروث بعين التمحيص والاختبار بعيدًا عن التقديس.
فقدان التفكير الابتكاريبحكم العيش الذهني والنفسي في الماضي، وبفعل التسليم بتحويل ذلك الماضي إلى مقياس تقاس عليه الظواهر والأحداث معًا، الممكنة الـمُعاشة الـمُحايثة، وممكنة الحدوث المستقبلية، وفقدان التفكير الناقدبحكم الإيمان بصلاحية اجتهاداته الجزئية لكل زمان ومكان وحالة، وبفعل التسليم شبه المطلق للفقهاء والمفتين في معالجة الحالات التفصيلية والإجرائية.
|
الهجرة إلى أدغال التاريخ للبحث عن حلول جاهزة لكل مشكلة يقع فيها المسلمون (بالنص أو بالقياس) هو ما أفقدهم التفكير الابتكاري والناقد معًا. الابتكاري بالنظر في المستقبل بعين التأمل والاكتشاف بعيدًا عن النمطية، والناقد بالنظر في الموروث بعين التمحيص والاختبار بعيدًا عن التقديس. والانفعال في مواجهة المواقف المتعددة هو ما أفقد المسلمين الاتزان، وعوَّدهم سلوك ردَّات الفعل المثارة في مواجهة الأفعال المثيرة. وباجتماع السببين (فقدان التفكير الاستباقي وفقدان الاتزان الانفعالي) تحول المسلم إلى تابع تاريخي شكلاني مستلب وعنيف، يأسره التقديس والتعصب معًا.
|
تحول الفقهاء والمرجعيات الدينية مع الزمن إلى وساطات جديدة بين المسلمين وخالقهم، وفي شؤونهم الدنيوية في نطاقهاالبيني وفي نطاق التفاعل مع العالم، في غياب شبه كلي للرؤية المقاصدية للدين في شكلها المركب وأبعادها الكلية، تلك التي لم يؤهل الفقهاء للخوض فيها ابتداءً بقدر تأهلهم -في أحسن الأحوال-لمركز الفتوى الذي أضحى في كثير من حالاته واسطة بين العباد وخالقهم، وكأنهم يقربونهم إلى الله زلفى في صنمية جديدة، ولكن في هيئة إسلامية.وهو ما أورث كثيرًا من المسلمين التعصب للمذاهب،وسلبية التسليم لها، وحَدِّيَّة اتباعها، وجاهزية القتال عصبية لها ولاجتهاداتها الجزئية بعيدًا عن الحنيفية الحقة.
جاء الإسلام ليحارب تلك السلفية والصنمية معًا: سلفيةَ الـمِسْطَرَة الجاهزة، التي تتجمد الرؤية عندها وتفترض في كل الأحوال الواحدية أو التشابه، ومن ثم واحدية أو تشابه ردات الفعل إزاءها: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"، تلك السلفية التي كان أحد أهم أهداف القرآن الكريمتكسير أصنامها في الذهنية الجاهلية مهما خطا بها الزمن، وما تزال وظيفته تلك سارية، وستستمر ما استمر الإنسانوالظاهرة الإنسانية.وصنميةَ الاتباع الأعمى، الذي يتبلد معه الإحساس بالذات وقدرتها على إمكان الاجتهاد وحرية الاختيار، وعلى الوصول إلى الله تعالى دون تلك الواسطات بين الذات وخالقها سبحانه، تلك الصنمية التي كان واحدًا من أهداف القرآن الكريم أيضًا تكسيرها في الذهنية الجاهلية وإسقاط اعتبارها "إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى".
ويضاف إلى مشكلة الهجرة إلى أدغال التاريخ للبحث عن حلول جاهزةللمشكلات المعاصرة لدى المسلمين ونخبهم مشكلة الانفعال في مواجهة المواقف المتعددة، وهو ما أفقد المسلمين الاتزان، وعوَّدهم سلوك ردَّات الفعل المثارة في مواجهة الأفعال المثيرة.
وباجتماع السببين (فقدان التفكير الاستباقي وفقدان الاتزان الانفعالي) تحول المسلم إلى تابع تاريخي شكلاني مستلب وعنيف، يأسره التقديس والتعصب معًا.
الإشكالية لدى النخب في الاتجاه التحديثي والحداثي:
ومَثَّلَ البحثُ عن فلسفة لإدارة الحياة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة في نطاق استعداء الماضي وتجاربه مشكلة النخب التحديثية والحداثية، وهو ما أفقدهم الهوية وأصاب شريحة ليست بالقليلة منهم بالارتهان للآخر في الوقت نفسه. فقدان الهوية بحكم العيش الذهني والنفسي في سياق رؤية الآخر، وبفعل القطيعة شبه التامة مع الماضي والتنكر لكل ما فيه، وارتهان بعضهم للآخر بحكم الهيمنة والسطوة النفسية والذهنية للغالب على المغلوب والمتبوع على التابع.
رؤية المستقبل: الأدوار والمراجعات والتقاط اللحظة الفارقة:
لم تستطع النخب العربية ممثلة في كتلتيها الكبريتين استقراء المشكلة في شكلها المركب بعيدًا عن التبسيط، ولم تستطع التخلص من سطوة الماضي من جهة وصدمة الحداثة من جهة أخرى؛ فكانت النتيجة زيادةً في التمترس الداخلي، وحِدَّةً في المواجهة البينية، وانفصامًا في الذات والهوية.
كانت الحلول المتخذة إزاء المشكلات المركّبة في حياتنا العربية، وما تزال، في الغالب حلولاً تبسيطيةً وحادَّة. والحلول التبسيطية السهلة أو الحادة الاجتثاثية حلول سهلة خادعة، وغالبًا ما تستهوي التفكير البسيط. الحلول المركّبة وحدها، تلك التي تنظر في الأسباب وتفاصيلها، والتداخلات ومحدداتها، وتدرك النتائج وآثارها، والمآلات وأبعادها، فتوازن بعد تحليل دقيق، وتختار مع حذر وترقب، هي الحلول الناجحة للمشكلات المركّبة. وتلك الحلول عسيرة، لا تصدر إلا عن عقليات إبداعية مركّبة.
وحين تجد النخب العربية في كلا الطرفين اتزان المواءمة بين ثنائياتها المتعددة بالحلول المركّبة، حينها ستكون قد وصلت إلى البداية الصحيحة للمضي في الركب الحضاري في العالم، بل ويمكن أن تمثل أنموذج خاصًّا للإنسانية، تلك المتعطشة سلفًا لأنموذج متزن فريد بعد تجربتها المرة مع انتهازية الكولونيالية ومع فوضى الروح بعد عبثية النيتشوية والتفكيك التي أوصلتها إلى اللاقيمة واللاتحدد واللاشيء.
وإزاء الإشكالية المطروحة في جانبيها الرؤيوي والواقعي والاستقطاب الحاد بين ثنائياتها من جهة والاستقطاب القادم مع الصراع الطائفي الاجتثاثي تتبدى ظاهرة الرفض الحادة لدى شريحة واسعة من الشباب العربي للواقع بكل مفرداته: أسبابًا، وآثارًا، وأطرًا تنظيمية، ظهرت ملامحه الأولى مع ثورات الربيع العربي، وما تزال نيرانه تتوقد تحت الرماد الهائل المنثال عليه من كل الأطراف، باحثين عن شكل جديد وأنموذج مختلف عن السائد الذي أثبت فشله وانتهى إلى إخفاق ذريع.
يفقد الشباب العربي اليوم أنموذجه بسبب النخب المستقطبة، تلك التي لم تقدر على توفير المادة الفكرية الخام المنسجمة مع تطلعاته ومدخلات العصر في القرن الواحد والعشرين. وسيكون الشباب العربي اليوم أكثر عرضةً للارتماء في أحضان أي أنموذج يقدر على التكيف مع تطلعاته ومزاجه النفسي، ولو في الإطار العنيف، وهو ما يشير إلى أهمية التقاط اللحظة الفارقة من تلك النخب الفكرية ضمن النطاقات التنظيمية الأكثر اتساعًا في الشارع العربي اليوم.
يمكنني هنا أن أضرب مثلاً لتلك النخب بنخبتين كبيرتين تمثلان ذلك الشرخ الشاقولي للرؤية العربية: الإخوان المسلمين، والقوميين العرب:
هل تقدر حركة الإخوان المسلمين أن تكون هي رائدة المرحلة خلال العقد الحالي وما يليه؟! هناك من يشك في ذلك (مع إمكانه وصعوبته في آن واحد)، لجملة من الأسباب، يأتي في مقدمتها قياداتها المعتقة غير القادرة على فهم حركة العصر، والتربية السلفية التي تورطت معها الحركة وما تزال كلما امتد بها الزمن، والظاهرة الصوتية التي اعتادت الحركة أن تستسلم لها أحيانًا كثيرة، وضعف الحركة في الاستفادة المثلى من شريحة الأكاديميين الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين القادرين على تحليل الظاهرة الإنسانية وحركتها التاريخية، وقراءة مدخلات الواقع وتنبؤات المستقبل.
ولكنها الفرصة التاريخية أمام الحركة، لو أرادت، لإنقاذ ما يجب إنقاذه، وتأسيس ما يجب تأسيسه، وإظهار الأنموذج المنسجم الذي تاهت عنه حركة التحديث العربية طوال أكثر من قرن من الزمن، وأفضى إلى قطيعة شبه تامة بين نخبها.
وهل تقدر النخب القومية أن تتجاوز مشكلاتها، وتخطو الخطوة اللازمة الجريئة باتجاه الحراك الإسلامي، بهدف تجاوز أزمة الماضي، وبهدف خلق اتزان المواءمة بين الثنائيات المتعددة في الرؤية العربية، وبهدف الالتحام به لتطوير أدواته وتمكينه من فاعلية العمل، وتشكيل إطار جامع يواجه الأخطار الكبيرة القادمة؟! هناك من يشك في ذلك أيضًا، لجملة من الأسباب، يأتي في مقدمتها الشتات النسبي الذي تعيشه النخب القومية، ونكوص بعض قياداتها بالارتهان لمشاريع جديدة بعيدة عن الخط القومي العربي، واليأس النسبي من فاعلية العمل مع الحراك الإسلامي، ولا سيما بعد تجربة الطرفين ما بعد ثورة الربيع العربي في مصر في السنة الأولى من حكم الإخوان المسلمين.
ولكنها أيضًا الفرصة التاريخية، وقد تكون الوحيدة، أمام النخب القومية وأمام الجميع، للعمل على تجاوز المشكلة العربية في التحديث، وعلى التأسيس للرؤية المنسجمة مع الذات العربية وهويتها الإسلامية من جهة، وتطلعاتها لمواكبة العصر وحداثته من جهة أخرى، وعلى تجاوز المشكلة العربيةفي مواجهة الخطر القادم، الذي ربما لن يترك في العالم العربي حجرًا على حجر.
ابحث
أضف تعليقاً