
تحول العمل الإسلامي من الفردية إلى الجماعية والمؤسسية قدّم للأمة خبرات تنظيمية وفكرية، نقلت الصحوة الإسلامية من التدين المجرد إلى مبادرات إيجابية تفيد منها الأمة والإنسانية, تعبر اليوم عن التدين والصحوة الإسلامية مؤسسات كثيرة جداً تؤدي دوراً مهماً في الدعوة والإصلاح، من الدول والحكومات والمنظمات الإسلامية الدولية والمحلية، والبنوك الإسلامية، والمراكز، والاتحادات والجمعيات، والروابط، والجامعات، ومراكز الدراسات، والصحف والمجلات، والفضائيات، والمساجد العامرة بالشباب، وحلقات التعليم، وتحفيظ القرآن الكريم، ورحلات الحج والعمرة، ومؤسسات التنمية والإغاثة، والعمل الخيري، وكفالة الأيتام والفقراء، وغير ذلك مما يصعب حصره في هذا المقام، حيث تقوم في كل دولة من العالم الإسلامي، وفي كل تجمع للمسلمين خارج دولهم مؤسسات تنظم جهودهم وأعمالهم. هذا التحول من الفردية إلى الجماعية والمؤسسية قدّم للأمة المسلمة خبرات تنظيمية وفكرية متراكمة، نقلت الصحوة الإسلامية من التدين المجرد وأداء الشعائر والالتزام بالعبادات، إلى مبادرات ومشروعات إيجابية تفيد منها الأمة والإنسانية.
وفي مجال العمل الحكومي الرسمي يمكن ملاحظة الكثير أيضاً؛ فالجامعات تزيد في الدول العربية عن خمسمائة جامعة، وقد يكون للمسلمين من غير العرب مثلها، وقدمت هذه الجامعات كفاءات متعلمة ومؤهلة تجعل التعليم في المدارس، والدعوة في المساجد، والعمل العام يمتلك الوعي والبصيرة وأسباب النجاح والتقدم، وتدير وزارات الأوقاف جيشاً كبيراً من أئمة المساجد والوعاظ والدعاة والعاملين في المجال الإسلامي، هم متفرغون لعملهم هذا، وتوفر لهم الدول أسباب المعيشة والتعليم والتدريب، وامتد العمل الإسلامي الرسمي إلى محطات الإذاعة والتلفزيون، والمدارس، والمؤسسات العسكرية والأمنية، ويدعم ذلك اتجاه التدين، والصلاح في الأمة، ويوفر له كثيراً من مستلزمات العمل ونفقاته.
والمستقبل القريب يؤشر على تنامي الاتجاه الإسلامي في الشعوب والمجتمعات إلى درجة تؤكد أن الإسلام هو طابع الحكم والإدارة في العالم العربي والإسلامي، وقد يكون ذلك بالحركات الإسلامية القائمة اليوم أو من دونها. ولذلك فإن الحكومات مطالبة بأن ترد للتيار الإسلامي العريض مكانه ومكانته اللتين كان عليهما خلال النصف الأول من القرن العشرين، رافداً أصيلاً مندمجاً في مجمل حركة المجتمع نحو التحرر الوطني والاستقلال السياسي والثقافي.
إن التزام الحكومات بسيادة القانون والدستور، ومواصلة نهج العدل والمساواة مع المواطنين مهما كانت تجاوزات بعضهم واعتداءاتهم على الدولة والمجتمع؛ يجعل الصراع بين الشرعية والخارجين عليها، ولكن الحكومات هي الأخرى حين تسلك سلوكاً خارجاً على القانون؛ فإن الصراع يتحول بين متساوين في الاعتداء.
ويستند التطرف وجماعاته على خطاب فكري فيه تشوه وغلو وانحراف، لكنه يتضمن كثيراً من الأسس والقواعد الصحيحة التي يساء فهمها والاستنتاج المتعلق بها، ويحمل أعضاء هذه الجماعات دافعاً فكرياً وعقيدياً قوياً تجاه تطبيق ما يدعون إليه ويعتقدون بصحته، وستكون المواجهة بعنف وسيلة غير مجدية، وربما تزيد هذه الجماعات تمسكاً بقناعاتها وآرائها وتزيدها تطرفاً وعنفاً، ولكن الحوار الفكري المتواصل مع قادة وأعضاء هذه الجماعات سيؤدي إلى التصحيح، ويحرم التطرف والإرهاب من روافده الأساسية من الشباب المتحمس "حسن النية" الذي يبحث عن الصواب وقد يخطئون في طريق الوصول إليه (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).
لقد ثبت بالفعل أن أفراد الأمة وجماعاتها ومؤسساتها يعيشون في غياب كبير عن التفاهم والاتصال فيما بينهم، ويلاحظ دائماً أن الفرقاء لا يستمعون إلى بعضهم، وحين يتاح لهم النقاش والحوار وتبادل الآراء يتبين أن مساحات الاختلاف ضيقة ومحدودة، ويمكن محاصرتها أو استيعابها.
والجماعات والتيارات الإسلامية مدعوة إلى التيسير في الفتوى تخفيفاً عن الناس، ومراعاة الأولويات عند مخاطبة الناس، ووضع النظم والتشريعات والاستئناس بتجارب الأمم الأخرى، والالتفات إلى قيمة الحرية في الحياتين السياسية والثقافية، واحترام حقوق الإنسان وحرياته. إن امتداد العمل الإصلاحي إلى العمل السياسي جعل الحركة الإسلامية الواحدة تشتغل بالمشاركة السياسية والنيابية والعمل النقابي والدعوي والخيري، وهذا أدى إلى فساد واستبداد واحتكار للعمل العام وصدام مع الحكومات بدلاً من التنسيق وضياع الجهود وتكراراها وتوظيف للعمل العام لأغراض ومصالح حزبية وشخصية، وأفقد الحركة الإسلامية مصداقيتها ونزاهتها. وقادة الحركة الإسلامية بسلوكهم هذا لا يقعون في زلل الاستبداد والاحتكار فقط، ولكنهم أيضاً يجعلون الحركة الإسلامية هدفاً معزولاً يسهل إصابته وتصفيته، ويجعلون مغانمهم الشخصية قضية الأمة أو قضية إسلامية ينتظرون من الناس أن يؤيدوهم بها، ويسهلون على الحكومات ضرب العمل الإسلامي تحت غطاء محاربة التجاوزات القانونية والسياسية.
منقول عن جريدة الغد 4/3/2009
ابحث
أضف تعليقاً